مفارقات قيادة الأوركسترا
هل سينصرف ذهنك إلى أن بالقلم مكراً ثعلبيّاً، فأراد التعريض بقيادة الفرق الموسيقية العربية؟ صحيح أن قائد الفرقة في الموسيقى العربية، عدا استثناءات محدودة، شخصية طريفة، لأنه مثل «أمّ العروس، فاضية ومشغولة».
المحظوظ في جمهور الحاضرين هو ذلك الذي يظن أن الرجل يؤدي دوراً وله وظيفة.
لكن لا نبالغ، فهو يستفيد من تمارين التربية البدنية، أمّا على الصعيد الموسيقي فالأعمال التي تتطلب قائد أوركسترا لا تشكّل حتى واحداً من الألف في الموسيقى العربية.
أسطول آلات ضبط الإيقاع هو الذي يضبط الميزان، ولا وجود للهارموني ولا للكونترابانط ولا لتفاصيل التوزيع الأوركسترالي التي تحتاج إلى التميّز والبروز بالحدّة أو الشدّة أو المدّة أو الطابع أو النبرة.
عصا قائد الأوركسترا تاريخ مفعم بالطرائف والمفارقات التراجيكوميدية، تحتاج إلى كتاب مثل «باب العصا» في كتاب «البيان والتبيين» للجاحظ.
قبل عصر النهضة الأوروبية لا نرى أثراً لعصا القائد، فقد كانت آلة الكلافسان أو الكمان الأول تقود المجموعة، تماماً مثلما كانت الحال في العالم العربي: محمد عبده صالح عازف القانون في فرقة أم كلثوم، وفريد بعوده، أمّا العندليب الأسمر فقد كان يغنّي وفي الفواصل يلتفت إلى الفرقة ويقودها.
يقيناً رأيتَ فرقة موسيقية عسكرية، ولمحت «الصولجان» العملاق وفي أعلاه أشرطة ملوّنة يهزّه القائد محدّداً به الإيقاع.
تلك العصا الظريفة لها خلفية تاريخية، ففي عهد الملك الشمس لويس الرابع عشر، كان نجم الموسيقى في البلاط هو جان باتيست لولّلي الإيطالي المولد الذي صار ملك الموسيقى في فرنسا وأوروبا.
كان مؤلفاً موسيقيّاً عازف كلافسان وكمان، وكان راقصاً ومصمم رقصات، وعلى علاقة وطيدة بالوسط الأدبي وبالمسرح الغنائي مع موليير بخاصة، وكان أيضاً قائد أوركسترا يستخدم مثل ذلك الصولجان المعدني الثقيل في قيادة الفرقة.
لسوء حظه اشتدّت محنة البواسير على لويس الرابع عشر، فألّف عملاً موسيقيّاً ليؤدّى في حضرة الملك الشمس من قبل 150 عازفاً.
في أثناء التمارين كانت العادة آنذاك أن يضرب القائد الأرض بالعصا المعدنية الغليظة لتحديد الإيقاع، لكن في نوبة غضب على سوء الأداء هوى بالعصا على إبهام قدمه، ولانعدام المضادات الحيوية في ذلك القرن، التهب الإبهام وتعفّن الجرح وأصيب بالغرغرينا، ولكون لولّلي راقصاً رفض بتر الإبهام، فسرى الداء حتى الدماغ، وفارق الحياة.
بعد الحادث الجلل يبدو أن كل قائد أوركسترا قال: «ها المرّة تربّيت».
هكذا قزّموا العصا.
لزوم ما يلزم: النتيجة الحكواتية: حكاية العمود الموسيقي الذي قتل لولّلي واختصروه في ما بعد في عصا صغيرة، يحتاج إلى عمود آخر لنروي نُتفاً أخرى، إن شاء الله..












