ماكرون.. «ديغول» فرنسا الجديد

Image

جرعة الإرباك الدبلوماسي التي تفقد الكثير من صناع القرار في دول العالم الفاعلة رشدهم، تمر مرور الكرام على ثلة حصيفة منهم لا تكف عن تحري فرص الفوز في عالم عمت دوله التوترات والأزمات ويئس من الخسائر المتتالية.

وربما تكشف زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لبكين عن «الرجل الرشيد» الذي ينتظر العالم أن تتغير مسارات أزماته نحو الانفراج، على يديه.

في مرحلة جديدة من التاريخ، حيث تواجه الولايات المتحدة في الصين منافساً أقوى من أي منافس واجهته منذ أن أصبحت القوة المهيمنة في العالم، تمثل زيارة الرئيس الفرنسي لبكين واجتماعه مع الرئيس الصيني شي جي بينغ، وتأكيده الشراكة الصينية، الصوت الأوروبي النشاز ظاهرياً، بينما تعكس حقيقة يقين الاتحاد الأوروبي أنه لا غنى عن تلك الشراكة في عالم الغد متعدد الأقطاب.

لقد تبادل الزعيمان المجاملات أثناء الزيارة التي تميزت بالاهتمام الاستثنائي الذي أسفر عن توقيع ماكرون على بيان ختامي مشترك أقر علناً بما يمكن تسميته «شراكة استراتيجية عالمية».

تعكس الزيارة على وجه التحديد الاهتمام الفرنسي القوي بالحفاظ على المصالح الاقتصادية والتجارية مع الصين، على الرغم من الغضب الغربي من دعم الرئيس شي لفلاديمير بوتين ورفضه إدانة الحرب الروسية في أوكرانيا.

وانضم إلى ماكرون، الذي رافقه إلى الصين العشرات من رجال الأعمال الفرنسيين، رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في بادرة ذات هدف أوروبي مشترك تجاه بكين.

ومع ذلك، فقد تم تقويض أي إحساس بوحدة الهدف من خلال الترتيبات التي أغرقت الزعيم الفرنسي بحفاوة نادرة واستعراض عسكري وغيرها من الزخارف لزيارة الدولة، في حين تم استبعاد فون دير لاين من العديد من المناسبات الفخمة.

يبدو أن ماكرون اعتقد أنه من خلال اصطحاب فون دير لاين فإنه يرسل رسالة عن وحدة الاتحاد الأوروبي، حتى لو بث الاثنان رسائل مختلفة عندما كانا في بكين.

فهل أخطأ ماكرون في التصويب وأضاع الهدف؟ ففي خطاب متشدد ألقته في الأسبوع الذي سبق الزيارة، حذرت فون دير لاين الرئيس الصيني من أن تفاعلات الصين مع حرب بوتين «ستكون عاملاً حاسماً في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين».

وبينما شددت فون دير لاين على هدفها المتكرر المتمثل في تخليص التجارة مع الصين من المخاطر - على عكس «الفصل» على النمط الأمريكي - تعهدت بمزيد من اليقظة في حماية المصالح الأوروبية وضمان بيئة أكثر تكافؤاً لشركات الاتحاد الأوروبي في المبادلات التجارية مع بكين.

وبينما كانت فون دير لاين «حازمة» في محاولتها محاسبة شي بينغ على دعمه لبوتين، فقد فشل القادة الأوروبيون في النهاية في تشكيل جبهة موحدة.

و في الوقت الذي تمر العلاقات الصينية الأمريكية بحالة توتر، اتخذ ماكرون موقفاً أوروبياً مستقلاً، وأشاد كلا الزعيمين مراراً «بعالم متعدد الأقطاب»، في رمزية مقنعة لعالم لا يهيمن عليه الأمريكيون.

وقد رسخت الزيارة رفضاً معلناً «للفصل» الاقتصادي الذي تفضله الولايات المتحدة كوسيلة لتقليل المخاطر الأمنية من خلال ضوابط التصدير الشاملة وإعادة ترتيب سلاسل التوريد.

كما وازنت بدقة وجهات النظر الغربية والصينية بشأن الحرب في أوكرانيا دون تحقيق أي اختراق.

وقد كان ماكرون هادئاً جداً فيما يتعلق بتهديد الصين لتايوان.

فمن خلال التلميحات المتعددة للحاجة إلى «إعادة اختراع نظام دولي للسلام والاستقرار»، بدا ماكرون وكأنه يقترب أكثر من وجهة النظر الصينية القائلة بأن العالم يمر «بتغييرات لم تحدث منذ 100 عام»، وهي العبارة التي ختم بها شي بينغ زيارته لموسكو الشهر الماضي، كما دعا أوروبا إلى «تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة»، وإلى «بناء استقلالية استراتيجية أوروبية».

وبدا أن ماكرون يريد بالتأكيد أن يخالف التيار في سياق الحرب الباردة المتفاقمة مع الصين وكأنه يعيد لعب «الورقة الديغولية» حيث أكد شارل ديغول بشدة على الاستقلال عن الولايات المتحدة بمجرد الانتصار في الحرب العالمية الثانية، حيث اعترف بالصين الشعبية، وانسحب من حلف الأطلسي.

ورغم معارضة فرنسا العلنية والضمنية للحرب الروسية في أوكرانيا التي تنظر إليها باريس من نفس المنظور الغربي لكنه وافق على عدة نقاط تضمنتها خطة التسوية الصينية للأزمة في أوكرانيا والمكونة من 12 نقطة.

ومن بين تلك النقاط الحاجة إلى «هيكل أمني أوروبي متوازن وفعال ومستدام» والحاجة إلى منع «تصادم الكتل»، والتي يعتبرها الصينيون تعكس «عقلية الحرب الباردة».

ونظراً لأن البنية الأمنية الحالية لأوروبا مبنية حول تشكيلة حلف الناتو، فإن التأكيد على أن هناك حاجة إلى نظام جديد ومتوازن يشكك ضمنياً في جدوى التحالف الأطلسي.

وفيما يتعلق بقضية الديمقراطية في تايوان، بدا ماكرون شديد التحفظ عندما قال إن الحكم في القضية ليس حكراً عليه شخصياً، وأنه لم يكتشف أي ميل صيني إلى «المبالغة في رد الفعل»، وأنه خلال زيارة أظهر فيها شي حفاوة غير عادية، لم يكن الوقت مناسباً «لخلط كل الأوراق».

و قد أعاد البيان الختامي التأكيد على التزام فرنسا بسياسة «الصين الواحدة».

و أخيراً، مثلت تلميحاته حول تجنب مشاركة أوروبا في الحرب في تايوان «الشعرة التي قصمت ظهر البعير».

وبينما يحرص كل طرف على استغلال اللقاء لتأكيد خدمة مصالحه القومية والتوافق على مقاربات لا تخرج عن هذا الهدف، اتفق الجانبان على اعتبار عام 2024 «عام الثقافة والسياحة الصيني الفرنسي»،بينما فشلت الزيارة في تأكيد وحدة الموقف الأوروبي التي كان الاتحاد الأوروبي يأمل في إظهارها في وقت يتعرض فيه لضغوط شديدة من الولايات المتحدة لاعتماد مسار أكثر صرامة بشأن العلاقات مع الصين..

اقرأ القصة الكاملة من الموقع الرسمي