ضجيج ليبيا.. إلى أين؟
تشهد الساحة الليبية حراكاً سياسياً وأمنياً، منذ إعلان المبادرة الأممية لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية بنهاية هذا العام، بعد فترة جمود امتدت لأكثر من ستة أشهر.
فقد عرض رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، عبد الله باتيلي، في 11 مارس المنصرم، مبادرة لإجراء الانتخابات بنهاية العام الجاري، سبق أن قدّمها لمجلس الأمن الدولي، وتقوم على تأسيس لجنة رفيعة المستوى لتنظيم الانتخابات واعتماد إطار قانوني وجدول زمني لإجرائها، على أن تقوم لجنة مشتركة من مجلسي النواب والدولة بوضع قوانين الانتخابات.
وقد رحبت حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» برئاسة عبدالحميد الدبيبة والفصائل الموالية لها والمجلس الرئاسي بالمبادرة، فيما عارضها مجلس النواب وتحفظت عليها حكومة فتحي باشاغا، وانقسم بشأنها المجلس الأعلى للدولة.
وقد أصدر مجلس الأمن الدولي بياناً رئاسياً (16 مارس) أيّد فيه المبادرة، وهدّد بمعاقبة من يُعرقل سير الانتخابات المزمع عقدها.
وفي ضوء التأييد الدولي والدعم الأمريكي والغربي للمبادرة وتصريحات المبعوث الأممي بإمكانية تجاوز مجلسي النواب والدولة، سارع مجلس الدولة بتسمية ممثليه في اللجنة المشتركة (لجنة 6+ 6) المشار إليها آنفاً، والتي تعتزم عقد اجتماعها في طرابلس هذا الأسبوع، ودعا رئيس مجلس النواب إلى سرعة إنجاز قوانين الانتخابات.
وثمة حراك سياسي من جانب آخر يتصل باجتماع مشترك بين رئيسي الحكومتين الدبيبة وباشاغا الأسبوع المنصرم، في مصراتة.
وتحدثت التقارير الصحفية عن اتفاق ل«تقاسم المناصب السيادية» بين الطرفين، ضمن صفقة تتضمن تشكيل حكومة جديدة للإشراف على الانتخابات.
كما أكد الطرفان المشاركة في الاجتماع الذي ينظمه مركز الحوار الإنساني في«جنيف» هذا الشهر؛ بهدف أن تجد المؤسسات الليبية توافقات تسمح بإنجاح الخطة الأممية.
كما تشهد الساحة الليبية حراكاً حثيثاً في المسار العسكري والأمني، في إطار اللجنة العسكرية المشتركة (5+5)؛ بهدف تشكيل قوة مشتركة لتأمين الانتخابات والقضاء على الانفلات الأمني.
وكان ملاحظاً أنّ مستوى التمثيل في الاجتماع الأخير للجنة (طرابلس، 26 مارس) ارتفع مستواه ليضم لأول مرة شخصيات من قادة أبرز التشكيلات المسلحة في البلاد.
وانتهى اجتماع طرابلس باتفاق المجتمعين على «دعم جهود إجراء انتخابات وتشكيل حكومة موحدة».
كما أن إجلاء المقاتلين الأجانب أو المرتزقة عن الأراضي الليبية غدا يتصدر اهتمامات الفاعلين الأساسيين داخلياً وخارجياً، وأن هناك رهاناً من جانب البعثة الأممية ودعم غربي لها على أن يتم ذلك قبل سبتمبر المقبل.
ماذا سيسفر عنه هذا الحراك السياسي والأمني في الساحة الليبية؟ ثمة من يرى، قياساً على التجارب السابقة، أنّ هذا الحراك هو مجرد ضجيج، وأنّ حالةً من الجمود السياسي سوف تسود حتى نهاية العام على الأقل.
وهناك من يتوقع أن يفضي هذا الحراك السياسي والأمني إلى إجراء الانتخابات المؤجلة في ليبيا منذ أكثر من عام؛ ما يضع حداً للصراع على الأرض والثروة والسلطة في ليبيا، ومن ثم تسوية المسألة الليبية بعد سنوات من الحرب الأهلية والأزمات السياسية.
فهذا الحراك تقوده بعثة الأمم المتحدة، ويحظى بدعمٍ دولي وأمريكي وغربي، ويعالج السبب الرئيسي لتعثر إجراء الانتخابات في ديسمبر 2021 وهو «القوة القاهرة»، بحسب المفوضية العليا للانتخابات في ليبيا؛ أي الوضع الأمني المضطرب وإحساس الليبيين بالخوف على أنفسهم.
وقد تفضي التطورات السابقة إلى إذكاء الصراع في ليبيا وعليها؛ في ضوء الانقسام الداخلي التقليدي (بين شرق وغرب) تجاه المبادرة، والانقسام الخارجي أيضاً عليها بين تأييد الولايات المتحدة وبعض حلفائها، وتحفظ بعضهم الآخر، ومعارضة روسيا ومصر للمبادرة.
ولعل تجديد مهمة «أيريني» الخاصة بمكافحة تهريب المهاجرين والأسلحة والمخدرات إلى 31 مارس 2025 برغم تكلفتها المتضخمة يشير إلى استشراف دول الاتحاد الأوروبي تجدد الصراع في ليبيا.
والواقع أنّ ترجيح أي من الاحتمالات السابقة يعتمد، بالأساس، على توافق مجلسي النواب والدولة على تنظيم الانتخابات بنهاية هذا العام، والانتهاء من وضع القوانين الانتخابية، ولاسيما الاتفاق على شروط الترشيح بما يسمح لأقوى المرشحين المحتملين (المشير خليفة حفتر وسيف الإسلام القذافي والدبيبة) بالتنافس في الانتخابات، وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية لضمان تأمين الانتخابات.
فيا أيها الليبيون أُجزم بأن الحل لن يتأتّى إلا بالتوافق الداخلي الليبي، ف «اشقوا بأرواحكم» ولا تكونوا كما يقول المثل الليبي «سيّبها بالعين وقصّها بالجرّه»..حفظ الله ليبيا وأهلها من كل مكروه...












