تفريع الجامعات.. تفريخ أوطان

Image

يسحبني تمزق شباب لبنان الرهيب في وسائل التواصل نحو ال1984.

كنت أقطن ما سُمي بيروت الغربية، وأقطع الحواجز نحو بيروت الشرقية على وقع خطى الموت، قنصاً أو خطفاً.

أعبر صباحاً خلال أسبوعين نحو كلية الإعلام، ثم أعود إلى باريس هرباً من حواجز المعابر الطائفية، وأتحسس الحياة في جسدي.

التقيت يوماً صدفة، في الشانزيليزيه، إدوار سابلييه، وقد جمعتنا نقابة الصحافة الفرنسية، وهو من كبار المراسلين لصحيفة «لو موند» ترأس جمعية «الصحافة الدبلوماسية الفرنسية»، وبقي رئيس شرف لها حتى وفاته في 12 آذار/ مارس 2006، وكنت بدوري أيضاً أحد مؤسسي «اتحاد الصحفيين العرب في باريس».

دعوته إلى مقهى وتبادلنا الأوضاع القاتمة في لبنان، وأخبرني عن كتابه الجديد بالفرنسية والأكثر مبيعاً في لبنان بعنوان: «الخيط الأحمر، التاريخ السري للإرهاب الدولي».

برق العنوان في رأسي حلاً يمكن أن أتأبطه مُغرياً به طلابي لتعريب نصوص متطرفة تخشن براءتهم، وأعِدهم بتدوين أسمائهم في مقدمة الكتاب المترجم عند نشره بإشرافي.

أخبرته بالفكرة.

غاب قليلاً ليعود بنسخة قدمها لي رافضاً ثمنها، على غير عادة الفرنسيين بشكلٍ عام.

جاء في مقدمة كتابه «تقودنا مسارح الجرائم إلى الشكوك في متطرفي اليسار واليمين، على السواء.

الثائرون منهم والمحرضون والمتنورون.

هكذا قاد سابليه خيطه الأحمر من هافانا إلى مقاصل متعددة جعلت الإرهاب حياً.

فرح طلاب وطالبات الصحافة في بيروت باقتراح الترجمة والنشر، لأن إدوار سابليه من «لو موند» الذائعة الشهرة، وقد بدأ مهنة الصحافة وكان عمره 25 سنة، وزاد من فرحهم عشق سابليه للجنرال شارل ديغول، الذي ما زال يعتبره بعض اللبنانيين كأنه لبناني، أو ينتظرون استنساخه في لبنان.

سابليه بكلمتين، ولد في بغداد، وكان والده ملحقاً بالسفارة الفرنسية هناك، لكنه التصق باللبنانيين بعدما أخذتهم الصراعات والحروب.

هكذا نجح «الطُّعم» الأكاديمي في جذب طلابي نحوي أستاذاً، ثم مديراً لكلية الإعلام، فانخرطوا بحماسٍ في النقاش السياسي الذي فتح آفاق حماسهم للصحافة.

قضيت عامين أعرب معهم نصوصاً صحفية عادية، وأوزع نصوص الكتاب عليهم لترجمتها للعربية في بيوتهم.

تلاشت الحواجز، وفُتحت إمكانات نقلٍ نصوص عن فلسطين والعرب والعروبة، وراقتهم الصحافة بعيون وآذان متعددة مفتوحة على العالم، حتى لو خالفت مناطقهم ومذاهبهم وقناعاتهم، وأيقنوا أن التشبث بحرية الإعلام بالألف واللام هي أساس الأفكار والآراء والثقافات، بل الأوطان.

قمنا بعد ذلك بتعريب كتاب ناحوم غولدمان الشهير المعنون: «إسرائيل إلى أين؟»، ونشرته مطبوعاً بالعربية في عام 1985 فطاروا فرحاً إذ رأوا الكتاب مطبوعاً.

لم يكن سهلاً، في ذلك التاريخ، إصدار كتاب عن إسرائيل التي اجتاحت لبنان في ال1982 وبلغت قصر بعبدا، وبقلم ناحوم غولدمان المساهم في إنشاء المؤتمر اليهودي العالمي ورئيسه بين 1956 و1968 وقد أثار كتابه ضجة في فرنسا، لكنه أيقظ صحفيي المستقبل على دور الجامعات.

كان غولدمان جواز سفري في حياتي الجامعية الشاقة بسبب سياساتي وقناعاتي التي لم تتآلف أبداً مع الشروخ الطائفية التي أصابت لبنان وصدّعت أجيال الجامعة الوطنية اللبنانية بعدما تم تفريعها في ال1977 وتوزعت مبانيها وطلابها على المناطق والطوائف المتباعدة في المحافظات اللبنانية.

هكذا فرخ التفريع الجامعي أوطاناً صغيرة وتباعداً بغيضاً بين الأجيال.

حقق الكتاب مبتغاه واستمر الإرهاب ثقيلاً باغتيال رفيق الحريري، وغيره، في لبنان والعالم ليحط في «الربيع العربي» وتداعياته بحثاً عن النقطة الختامية التي لم تجد مكانها النهائي بعد.

تحصنت مجازفتي الأكاديمية بين «البيروتين» بالوحدة الوطنية، فتجاوزت التفريع وخرقته في كلية الإعلام، وتعاقدت مع سبعة دكاترة من طوائف متنوعة راحوا يقطعون المعابر بين «البيروتين» مثلي، يحاضرون في بيروت الشرقية آنذاك، ويدلفون إلى بيروت الغربية..

اقرأ القصة الكاملة من الموقع الرسمي