تحولات عربية
بالتوازي مع ما يشهده العالم من تحولات جيو استراتيجية كبرى على وقع الصراع القائم بين الولايات المتحدة وحلفائها، من جهة، والصين وروسيا، من جهة أخرى، من خلال الحرب الأوكرانية والمجابهة حول تايوان، إضافة إلى الصراع القائم، اقتصادياً وسياسياً، على مناطق النفوذ في إطار السعي لقيام نظام عالمي جديد خارج التفرد الأمريكي، مع ما يستدعي ذلك من كلفة بشرية واقتصادية هائلة، فإن المنطقة العربية تشهد بدورها تحولات حاسمة نحو قيام بيئة عربية جديدة تلتقي مع التحولات العالمية، وتستعد لمجاراتها ومواكبتها، بعد أكثر من عقد على ما يسمى «الربيع العربي» الذي كان التسمية المموّهة ل«الفوضى الخلاقة» التي نظمتها الإدارات الأمريكية، وضربت المنطقة العربية، ودمّرت البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، في العديد من الدول العربية، وخلخلت كياناتها، ووحدتها الترابية، وضربت أسافين الإرهاب والصراعات الطائفية والمذهبية، وأدت، في ما أدت إليه، حيث تعرض النظام العربي إلى زلزال ضرب أركانه، وكاد يقضي على مقومات ما يربط الأمة العربية من وشائج قربى وتاريخ ومعتقد ومصير مشترك.
نحن نشهد حالياً حالة خروج من حالة الشلل، أو الموت السريري، نحو إعادة الحياة إلى الجسم العربي، ومده بمقومات الصمود كي يتمكن من مواجهة التحديات والمخاطر التي قد تحملها التحولات العالمية، ثم أن يكون قادراً على التفاعل الإيجابي معها.
ندرك أن هناك عملاً، وجهداً يبذل من جانب أكثر من دولة عربية لاستعادة التضامن العربي، ونفخ الروح فيه من جديد، وقد بلغت هذه الجهود مراحل متقدمة، قد تكون القمة العربية في الرياض يوم 19 مايو/ أيار، إحدى نتائجها بمشاركة سوريا للمرة الأولى منذ تعليق عضويتها في الجامعة العربية عام 2011، جراء الانقسام الحاد في البيت العربي على خلفية تداعيات ما يسمى «الربيع العربي».
وندرك أيضاً حجم الجهد الذي بذلته دولة الإمارات العربية المتحدة لرأب الصدع الذي ضرب الجسم العربي، وضرورة عودة سوريا إلى حضن أمتها، نظراً لدورها وأهميتها التاريخية في المشاركة بتأسيس الجامعة العربية، ثم في الأمن القومي العربي، باعتبارها تشكل حائط الصد على التخوم الشمالية للأمة، وفي مواجهة التهديدات الإقليمية الأخرى، وهو دور يجب أن تستعيده في هذه المرحلة.
هناك دول عربية أخرى بذلت وتبذل جهوداً على هذا الطريق الذي بدأت ملامحه تتجلى في إعادة التواصل مع سوريا، وبين الدول العربية الأخرى، وإعادة علاقات كانت مقطوعة، أو كانت باردة ومشلولة، ولعبت الدبلوماسية دوراً بارزاً في ذلك، من خلال زيارات العديد من وزراء الخارجية العرب إلى سوريا، وقيام وزير خارجيتها بزيارة العديد من الدول العربية، وآخرها إلى السعودية والإعلان عن إعادة العلاقات القنصلية، واستئناف الرحلات الجوية بين البلدين، وكذلك استئناف العلاقات الدبلوماسية بين سوريا وتونس، وتبادل السفراء بينهما، وإعلان البحرين وقطر عن إعادة العلاقات الدبلوماسية بينهما، بعد أن كانت قطعت عام 2017.
كما شكّل الاتفاق السعودي الإيراني على إعادة العلاقات بينهما، وفتح سفارتي البلدين برعاية من الصين، خطوة مهمة على طريق الاستقرار الإقليمي الذي يصب بلا شك في مجرى استعادة التضامن العربي..












