أخمدوا الفتنة في السودان

Image

الصدام العنيف بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، حوّل، في ساعات قليلة، العاصمة الخرطوم إلى ساحة حرب شاملة، وأحبط كل جهود الوساطة لنزع فتيل التوتر بين الجانبين وتجنب اللجوء إلى السلاح، من أجل الحفاظ على الاستقرار الهش الذي يخيم على السودان منذ سنوات، على أمل أن تتوصل العملية السياسية إلى اتفاق فعلي يلبي تطلعات الملايين ويحمي السودان من خطر التفكك والانهيار.

مشاهد أعمدة الدخان في سماء الخرطوم وحرائق المطار وحالات الهلع والذعر التي أصابت السكان، رسمت صورة مأساوية للسودان، وأحبطت الكثير من الأمل بأن يتجاوز هذا البلد العريق عهد الحروب والتمرد والصراعات، وينتقل إلى مرحلة جديدة تقوم على التعايش المشترك والتفاعل السياسي، بعيداً عن العنف، لكن المحظور وقع، والقنبلة الموقوتة انفجرت في وقت قاتل قد ينذر بصراع أوسع ويستجلب المزيد من تجار الحروب، لا سيما وأن السودان قد عانى هذا الوضع طوال عقود طويلة، مع تجارب التمرد في جنوب السودان سابقاً، وفي الأقاليم الشمالية كدارفور وكردفان.

وما حدث خلال الساعات الماضية في الخرطوم ومدن أخرى، استمرار لدوامة العنف والاقتتال التي لا يمكن أبداً أن تجلب السلام وتحل الأزمات، خصوصاً في بلد يعج بالميليشيات وحركات التمرد المسلحة، وتخترقه التدخلات الخارجية من مختلف حدوده، كما أنه محاط ببؤر توتر من الشرق والجنوب، ومن الناحية الغربية تمتد منطقة اضطرابات لا حدود لها على امتداد دول الساحل الإفريقي، حيث ينشط الإرهاب والجريمة من دون رقيب.

الشعب السوداني الذي صبر السنين الطوال على أذى الحروب الأهلية والصراعات وتسلط الاستبداد، لا يمكن أن يكون جزاؤه صراعاً يدمر الخرطوم، وفتنة ملعونة تمعن في الانقسام، وتدفع أبناء البلد الواحد إلى الاقتتال ومواجهة مصير مجهول فعلاً، وليس مبالغة، فالوضع أسوأ مما يمكن أن يتصوره عاقل، والخسائر الكبيرة في المرافق العامة والخاصة والأرواح التي أزهقت، ستكون تداعياتها أفدح، إذا لم تسارع الأطراف المتقاتلة إلى تغليب المصلحة الوطنية ووقف الاقتتال على الفور، ومنع دخول السودان في عزلة جديدة تقطعه عن محيطه وجواره، وهو ما لا يتماشى مع المستجدات الطارئة في المنطقة.

هذه الساعات الحرجة لا يمكن تجاوزها إلا بالتمسك بالحوار حصراً لإنهاء الخلافات، والعمل على تحقيق توافق وطني، وتشكيل حكومة سودانية تعبر عن كافة الأطياف والشرائح، من أجل تأمين الانتقال السلمي نحو الاستقرار الفعلي والتام.

وعلى السودانيين الغيارى على وطنهم ودمائهم أن يقفوا وقفة رجل واحد، وأن يستمعوا إلى صوت العقل والحكمة، وينأوا عن النوازع السياسية والإثنية والقبلية، ليحفظوا بلدهم ولا يضيعوه، لا سيما في هذه المرحلة التي تمر فيها المنطقة العربية بمرحلة انتقالية، تمهد لصفحة من التعاون والتآزر وتصفية الخلافات.

فقد أظهرت التجارب المريرة، في أكثر من بلد، أن الصراعات والحروب الأهلية والفتن، لا تثمر خيراً ولا تبني أوطاناً، وقد مر السودان نفسه بهذه المحن التي كادت تعصف بكيانه وتخسف بوحدته الترابية.

والأمل كل الأمل أن يعود الفرقاء إلى الرشد، ويخمدوا هذه الفتنة التي ستحرق الأخضر واليابس، وسيدفع السودان جرّاءها ثمناً باهظاً من دماء شعبه ومن مستقبل وحدته الوطنية..

اقرأ القصة الكاملة من الموقع الرسمي